وجُمْلةُ الأمرِ أنّه ليس إعلامُك الشيء بَغتةً مثلَ إعلامِك له بعدَ التَّنبيهِ عليه والتَّقدمةِ له لأنَّ ذلك يَجري مَجْرى تكريرِ الإِعلام في التأكيد والإِحكام ومن هاهُنا قالوا : إنَّ الشيءَ إذا أضْمِر ثمَّ فُسر كان ذلك أفخمَ له من أن يُذكرَ من غيرِ تقدُّم إضمار ويَدُلُّ على صحة ما قالوه أنّا نعلمُ ضرورةً في قوله تعالى : ( فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ ) فخامة وشرفاً وروعةً لا نجدُ منها شيئاً في قولنا : فإِنَّ الأبصارَ لا تَعمى . وكذلك السبيلُ أبداً في كلَّ كلامٍ كان فيه ضميرُ قصة . فقولُه تعالى : ( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ ) يفيدُ من القوة في نفيِ الفَلاحِ عنِ الكافرين ما لو قيل : إنَّ الكافرين لا يُفلحون لم يُفدْ ذلك ولم يكن ذلكَ كذلك إلاّ لأنك تعلمُه إياهُ من بعدِ تقدمةٍ وتنبيهٍ أنتَ به في حُكم مَنْ بدأ وأعادَ ووطَّد ثم بيَّنَ ولوَّح ثم صرَّح . ولا يَخْفى مكانُ المزيَّة فيما طريقُه هذا الطريق
ويشهدُ لِما قلنا من أنَّ تقديمَ المحدَّثِ عنه يَقْتضي تأكيدَ الخبرِ وتحقيقَه له أنَّا إذا تأملنا وجدْنا هذا الضربَ منَ الكلام يجيءُ فيما سَبق فيه إنكارٌ من مُنْكرٍ نحوُ أن يقولَ الرجلُ : ليس لي علمٌ بالذي تقول فتقولُ له : أنتَ تعلمُ أنَّ الأمرَ على ما أقولُ ولكنك تميل إلى خصمي . وكقول الناس : هو يعلم ذاك وإن أنكر وهو يَعلمُ الكَذِبَ فيما قال وإنْ حلَف عليه . وكقوله تعالى : ( وَيَقُولُونَ على اللَّه الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) فهذا من أبْينِ شيءٍ
