وأما الفعلُ فإنه يُقْصَدُ فيه إلى ذلك فإذا قلتَ : زَيدٌ ها هو ذا ينطلقُ . فقد زعمتَ أنَّ الانطلاقَ يقعُ منه جزءاً فجزءاً وجعلته يزاولُه ويزجِّيه . وإن شئتَ أن تُحِسَّ الفرقَ بينهما من حيثُ يلطُفُ فتأمّل هذا البيتَ - البسيط - :
( لا يأْلَفُ الدِّرْهَمُ المَضْرُوبُ خِرقَتَنا ... لكِنْ يَمُرُّ عَلَيها وَهْوَ مُنطلقُ )
هذا هو الحسنُ اللائقُ بالمعنى . ولو قلتَه بالفعل : لكن يَمُرُّ عليها وهو ينطلقُ لم يَحْسُن . وإذا أردتَ أن تعتبَره بحيثُ لا يخفَى أنَّ أحدَهُما لا يصلحُ في موضعِ صاحبهِ فانظْر إلى قولِه تعالى : ( وكلْبُهُم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوصِيدِ ) فإنَّ أحداً لا يشكُّ في امتناعِ الفعلِ هاهُنا وأن قولَنا : كَلبُهم يبسُطُ ذراعَيه لا يؤدِّي الغرضَ . وليس ذلك إلاّ لأنَّ الفعلَ يقتضي مُزاولةً وتجدُّدَ الصِّفة في الوقتِ . ويقتضي الاسُم ثبوتَ الصِّفة وحصولَها من غيرِ أن يكونَ هناك مُزاولةٌ وتَزْجيةُ فعل ومعنى يحدثُ شيئاً فشيئاً . ولا فرقَ بينَ : ( وكلبُهم باسطٌ ) وبين أن يقولَ : وكلبُهم واحدٌ مثلاً في أنك لا تثبتُ مزاولةٍ ولا تجعلُ الكلبَ يفعل شيئاً بل تُثبتُه بصفةٍ هو عليها . فالغرضُ إذاً تأديةُ هيئةِ الكلب . ومتى اعتبرتَ الحالَ في الصِّفاتِ المشبَّهة وجدتَ الفرقَ ظاهراً بيِّناً ولم يعترضْك الشكُّ في أنَّ أحدَهما لا يصلحُ في موضعِ صاحبه . فإذا قلتَ : زيدٌ طويلٌ وعَمرٌو قصيرٌ لم يَصْلُحْ مكانَه : يطولُ ويقصُر وإنما تقولُ : يطولُ ويقصُر إذا كان الحديثُ عن شيءٍ يزيدُ وينمو كالشَّجرِ والنباتِ والصَّبيَّ ونحوِ ذلك مما
