( ولَوْ شئتُ أنْ أبْكي دماً لَبَكَيْتُه ... عَلَيْهِ ولكِنْ ساحَةُ الصَّبْرِ أَوْسَعُ )
فقياسُ هذا لو كان على حَدِّ : " وَلَوْ شاءَ اللّهُ لجمَعَهُم على الهُدى " أن يقولَ : لو شئتُ بكيتُ دماً ولكنه كأنه تركَ تلك الطريقةَ وعدلَ إلى هذهِ لأَنَّها أحسنُ في هذا الكلامِ خُصوصاً . وسببُ حسنِه أنَّه كأنه بِدْعٌ عجيبٌ أن يشاءَ الإنسانُ أن يبكَي دَماً . فلمَّا كان كذلك كان الأَولى أن يُصَرِّحَ بذكرِه ليقرِّره في نفسِ السِّامع ويؤنسَه به
وإذا استقرَيْتَ وجدتَ الأمرَ كذلك أبداً متى كان مفعولُ المشيئةِ أمراً عظيماً أو بديعاً غريباً كان الأحسنَ أن يُذْكَر ولا يُضْمَر . يقولُ الرجلُ يُخبرُ عن عزًّة نفسِه : لو شئتُ أَن أردَّ على الأميِر رَدَدْتُ ولو شئتُ أنْ أَلقى الخَليفةَ كلَّ يوم لقيتُ . فإذا لم يكن مما يُكْبِره السامعُ فالحذفُ كقولك : لو شئتَ خرجتَ ولو شئتَ قمتَ ولو شئت أنصفتَ ولو شئتَ لقلت . وفي التنزيلِ : ( لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ) وكذا تقولُ : لو شئتُ كنتُ كزيدٍ قال - البسيط - :
( لَوْ شِئتُ كُنْتُ كَكُرْزٍ في عِبادَتِهِ ... أو كابْنِ طارِق حَوْلَ البَيْتِ والحَرَمِ )
وكذلِكَ الحُكمُ في غيرهِ مِنْ حُروفِ المجازاةِ أن تقولَ : إن شئتُ قلتُ وإن أردتُ دفعتُ : قال الله تعالى : ( فإنْ يَشأ اللّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ) وقال عَزَّ اسمُه : ( مَنْ يَشَأ اللهُ )
