وإن كل ذلك إلا مشجع للنفس مقو للقلب والفؤاد والفرق بين هذا الوجه والذي قبله هو الفرق بين الشيء وأثره أو الملزوم ولازمه فالمعجزة من حيث إنها قوة للرسول ومؤيدة له مطمئنة له ومثبتة لفؤاده بقطع النظر عن أثر انتصاره وهزيمة خصمه بها
ثم إن هذا الأثر العظيم وحده مطمئن لقلبه الكريم ومثبت لفؤاده أيضا
أشبه شيء بالسلاح وجوده في يد الإنسان مطمئن له ولو لم يستعمله في خصمه ثم انتصار الإنسان وهزيمة خصمه به إذا أعمل فيه مطمئن للفؤاد مريح للقلب مرة أخرى
الوجه الخامس تعهد الله إياه عند اشتداد الخصام بينه وبين أعدائه بما يهون عليه هذه الشدائد ولا ريب أن تلك الشدائد كانت تحدث في أوقات متعددة فلا جرم كانت التسلية تحدث هي الأخرى في مرات متكافئة
فكلما أحرجه خصمه سلاه ربه
وتجيء تلك التسلية تارة عن طريق قصص الأنبياء والمرسلين التي لها في القرآن عرض طويل وفيها يقول الله وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك 11 هود 120 من سورة هود
وتارة تجيء التسلية عن طريق وعد الله لرسوله بالنصر والتأييد والحفظ كما في قوله سبحانه في سورة الطور واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا 52 الطور 48 وقوله في سورة المائدة و الله يعصمك من الناس إن 5 المائدة 67 ونحو ما في سورتي الضحى وألم نشرح من الوعود الكريمة والعطايا العظيمة
وطورا تأتيه التسلية عن طريق إبعاد أعدائه وإنذارهم نحو قوله تعالى في سورة القمر سيهزم الجمع ويولون الدبر 54 القمر 45 وقوله سبحانه في سورة فصلت فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صعقة مثل صعقة عاد وثمود 41 فصلت 13
وطورا آخر ترد التسلية في صورة الأمر الصريح بالصبر نحو قوله جل شأنه في سورة الأحقاف فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل 46 الأحقاف 35 أو في صورة النهي عن التفجع عليهم والحزن منهم
نحو قول الله في سورة فاطر فلا تذهب نفسك عليهم حسرت إن الله عليم بما يصنعون 35 فاطر 8 ونحو قوله سبحانه في خواتم سورة النحل واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون 16 النحل 127
ومن موارد تسلية الله لرسوله أن يخوفه عواقب حزنه من كفر أعدائه نحو لعلك بخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين 26 الشعراء 3 في فاتحة سورة الشعراء
ومنها أن يؤيسه منهم ليستريح ويتسلى عنهم نحو وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بئاية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجهلين إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون 6 الأنعام 35 36 من سورة الأنعام
